أبو نصر الفارابي

83

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

المعقولات ، وبها يميز بين الجميل والقبيح ، وبها يحوز الصناعات والعلوم ، ويقترن بها أيضا نزوع نحو ما يعقله « 1 » . فالقوة الغاذية ، منها قوة واحدة رئيسة ، ومنها قوى هي رواضع لها وخدم . فالقوة الغاذية الرئيسة هي من سائر أعضاء البدن في الفم ؛ والرواضع والخدم متفرقة في سائر الأعضاء ؛ وكل قوة من الرواضع والخدم فهي في عضو ما من سائر أعضاء البدن ؛ والرئيسة منها هي بالطبع مدبرة لسائر القوى ، وسائر القوى يتشبه بها ويحتذي بأفعالها حذو ما هو بالطبع غرض رئيسها الذي في القلب ، وذلك مثل المعدة والكبد والطحال ، والأعضاء الخادمة هذه ، والأعضاء التي تخدم هذه الخادمة ، والتي تخدم هذه أيضا . فإن الكبد عضو يرؤس ويرأس ، فإنه يرأس بالقلب ويرؤس المرارة والكلية وأشباههما من الأعضاء ؛ والمثانة تخدم الكلية ، والكلية تخدم الكبد ، والكبد يخدم القلب ؛ وعلى هذا توجد سائر الأعضاء « 2 » . والقوة الحاسة ، فيها رئيس وفيها رواضع ؛ ورواضعها هي هذه الحواس الخمس المشهورة عند الجميع ، المتفرقة في العينين وفي الأذنين وفي سائرها . وكل واحد من هذه الخمس يدرك حسا ما يخصه . والرئيسة منها هي التي اجتمع فيها جميع ما تدركه الخمس بأسرها ،

--> ( 1 ) قوى النفس خمس تحدث على التوالي وهي الغاذية والحاسة والنزوعية والمتخيلة والناطقة . ( 2 ) القوة الغاذية رئيسها القلب وأعضاؤها الكبد والكلية والمثانة والمرارة والمعدة والطحال .